محمد بن جرير الطبري

67

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

إن الزبيري الذي مثل الحلم * مسى بأسلابكم أهل العلم فأتبع " مثل " " الذي " . في الإعراب . ومن قال ذلك لم يقل : مررت بالذي عالم ، لأن " عالما " نكرة " والذي " معرفة ، ولا تتبع نكرة معرفة . وقال آخرون : معنى ذلك : تماما على الذي أحسن موسى فيما امتحنه الله به في الدنيا من أمره ونهيه . ذكر من قال ذلك : حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الله بن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع : ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ فيما أعطاه الله . حدثني محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة : ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ قال : من أحسن في الدنيا تمم الله له ذلك في الآخرة . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد عن قتادة قوله : ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ يقول : من أحسن في الدنيا تمت عليه كرامته الله في الآخرة . وعلى هذا التأويل الذي تأوله الربيع يكون أحسن نصبا ، لأنه فعل ماض ، و " الذي " بمعنى " ما " ، وكان الكلام حينئذ : ثم آتينا موسى الكتاب تماما على ما أحسن موسى ، أي آتيناه الكتاب لأتمم له كرامتي في الآخرة تماما على إحسانه في الدنيا في عبادة الله والقيام بما كلفه به من طاعته . وقال آخرون في ذلك : معناه : ثم آتينا موسى الكتاب تماما على إحسان الله إلى أنبيائه وأياديه عندهم . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ قال : تماما من الله وإحسانه الذي أحسن إليهم وهداهم للإسلام ، وآتاهم ذلك الكتاب تماما لنعمته عليه وإحسانه . " وأحسن " على هذا التأويل ابن زيد أيضا في موضع نصب على أنه فعل ماض . " والذي " على هذا القول والقول الذي قاله الربيع بمعنى : " ما " . وذكر عن يحيى بن يعمر أنه كان يقرأ ذلك : " تماما على الذي أحسن " رفعا ، بتأويل : على الذي هو أحسن . حدثني بذلك أحمد بن يوسف ، قال : ثنا القاسم بن سلام ، قال : ثنا الحجاج ، عن هارون ، عن أبي عمرو بن العلاء ، عن يحيى بن يعمر . قال أبو جعفر : وهذه قراءة أحسن رفعا لا أستجيز القراءة بها وإن كان لها في العربية وجه صحيح ، لخلافها ما عليه الحجة مجمعة من قراءة الأمصار . وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب قول من قال : معناه : ثم آتينا موسى الكتاب تماما لنعمنا عنده على الذي أحسن موسى في قيامه بأمرنا ونهينا ؛ لأن ذلك أظهر معانيه في الكلام ، وأن إيتاء موسى كتابه نعمة من الله عليه ومنة عظيمة ، فأخبر جل ثناؤه أنه أنعم بذلك عليه لما سلف له من صالح عمل وحسن طاعة . ولو كان التأويل على ما قاله ابن زيد كان الكلام : ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسنا ، أو : ثم آتى الله موسى الكتاب تماما على الذي أحسن . وفي وصفه جل ثناؤه نفسه بإيتائه الكتاب ثم صرفه الخبر بقوله : " أحسن " ، إلى غير المخبر عن نفسه بقرب ما بين الخبرين ، الدليل الواضح على أن القول غير القول الذي قاله ابن زيد . وأما ما ذكر عن مجاهد من توجيهه " الذي " إلى معنى الجميع فلا دليل في الكلام يدل على صحة ما قال من ذلك ، بل ظاهر الكلام بالذي اخترنا من القول أشبه . وإذا تنوزع في تأويل الكلام كان